مجد الدين ابن الأثير
252
المختار من مناقب الأخيار
الحربي ؛ فحطّ الحملين وقال : هذان الحملان أنفذهما لك رجل من خراسان . فقلت : من هو ؟ قال : استحلفني أن لا أقول من هو « 1 » . وقال أبو عثمان الرازي : جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربيّ بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد يسأله تفرقة ذلك . فردّه ، فانصرف الرسول ثم عاد فقال : إنّ أمير المؤمنين يسألك أن تفرّقه في جيرانك . فقال : عافاك اللّه ، هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه ، فلا نشغلها بتفرقته ، قل لأمير المؤمنين : إن تركتنا وإلا تحوّلنا من جوارك ( 1 ) . وقال أبو القاسم بن الجبلي : اعتلّ إبراهيم الحربيّ علّة حتى أشرف على الموت ، فدخلت إليه يوما فقال لي : يا أبا القاسم ! أنا في أمر عظيم مع ابنتي . ثم قال لها : قومي أخرجي إلى عمك . فخرجت فألقت على وجهها خمارها . فقال : إبراهيم : هذا عمّك كلّميه . فقالت لي : يا عمّ ! نحن في أمر عظيم ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، الشهر والدهر ، ما لنا طعام إلا كسر يابسة وملح ، وربما عدمنا الملح ، وبالأمس قد وجّه إليه المعتضد مع بدر ألف دينار فلم يأخذها ، ووجه إليه فلان وفلان فلم يأخذ منها شيئا ، وهو عليل . فالتفت الحربيّ إليها وتبسّم وقال : يا بنيّة ! إنما خفت الفقر . قالت : نعم . فقال لها : انظري إلى تلك الزاوية . فنظرت فإذا كتب ، فقال : هناك اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب كتبته بخطّي إذا متّ فوجّهي في كل يوم بجزء تبيعينه بدرهم ، فمن عنده اثنا عشر ألف درهم ليس هو بفقير « 2 » . وقال محمد بن صالح الأنماطي : لا نعلم أنّ بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربي في الأدب والفقه والحديث والزّهد « 3 » . وقال أبو الحسين العتكي : سمعت إبراهيم الحربي يقول لجماعة عنده : من تعدّون الغريب في زمانكم هذا ؟ فقال واحد منهم : الغريب من نأى عن
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 6 / 32 . ( 2 ) تاريخ بغداد 6 / 33 . ( 3 ) تاريخ بغداد 6 / 35 .